بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً. وبعد:
قال المصنف رحمه الله: [ القسم الثالث من الفصل الأول: في وقته، وأما وقت الأذان فاتفق الجميع على أنه لا يؤذن للصلاة قبل وقتها، ما عدا الصبح، فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك و الشافعي و أحمد إلى أنه يجوز أن يؤذن لها قبل الفجر، ومنع ذلك أبو حنيفة ، وقال قوم: لا بد للصبح إذا أذن لها قبل الفجر من أذان بعد الفجر; لأن الواجب عندهم هو الأذان بعد الفجر ]، وهذا هو الراجح، فإذا أذن لها قبل الفجر فلا بد لها من أذان بعد الفجر.
[ وقال أبو محمد بن حزم : لابد لها من أذان بعد الوقت، وإن أذن قبل الوقت جاز إذا كان بينهما زمن يسير قدر ما يهبط الأول ويصعد الثاني ]، يعني: إذا قدم بوقت يسير.
[ والسبب في اختلافهم أنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما: الحديث المشهور الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ( إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت ]، وهذا الحديث أخرجه البخاري و مسلم .
[ والثاني: ما ورد عن ابن عمر : ( أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام )، وحديث الحجازيين أثبت، وحديث الكوفيين أيضاً خرجه أبو داود وصححه كثير من أهل العلم ]، يقول المؤلف: إلا أنه حديث ضعيف.
[ فذهب الناس في هذين الحديثين إما مذهب الجمع وإما مذهب الترجيح. فأما من ذهب مذهب الترجيح فالحجازيون، فإنهم قالوا: حديث بلال أثبت والمصير إليه أوجب ]، فيكون القول على هذا الحديث أنهما أذانان.
[ وأما من ذهب مذهب الجمع فالكوفيون، وذلك أنهم قالوا: يحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يشك فيه في طلوع الفجر; لأنه كان في بصره ضعف، ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يتيقن فيه طلوع الفجر ].
ولكن الحديث ضعيف.
[ ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت: ( لم يكن بين أذانيهما إلا قدر ما يهبط هذا، ويصعد هذا ).
وأما من قال: إنه يجمع بينهما أعني: أن يؤذن قبل الفجر وبعده، فعلى ظاهر ما روي من ذلك في صلاة الصبح خاصة، أعني: أنه كان يؤذن لها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال و ابن أم مكتوم ].
والراجح أنه يطلب أذانان للفجر: الأول سنة، وهو قبل الفجر للتنبيه والاستعداد.
وأما الثاني: فقد سبق بيانه.
قال رحمه الله: [ القسم الرابع من الفصل الأول في الشروط:
وفي هذا القسم مسائل ثمانية: أحدها: هل من شروط من أذن أن يكون هو المقيم أم لا؟
الثانية: هل من شروط الأذان ألا يتكلم أثناءه أم لا؟ ].
والأقرب أنه لا مانع من كلمة لا تقطع التتابع.
[ والثالثة: هل من شرطه أن يكون على طهارة أم لا؟ ]، والراجح أنه لا يشترط، إذ الأصل براءة الذمة، وما ورد في اشتراط ذلك فضعيف.
[ والرابعة: هل من شرطه أن يكون متوجهاً إلى القبلة أم لا؟ ]، أما الشرط فبعيد، وأما السنة فهو المطلوب ويكره خلافه، لكن لك أن تؤذن إلى غير القبلة.
[ والخامسة: هل من شرطه أن يكون قائماً أم لا؟ ]، اشتراط ذلك بعيد، ولكنه إذا كان يقدر عن القيام فيكره له أن يؤذن جالساً.
[ والسادسة: هل يكره أذان الراكب أم ليس يكره؟ ]، والأقرب أنه إن كان دعت الحاجة إليه فلا بأس.
[ والسابعة: هل من شرطه البلوغ أم لا؟ ] والراجح أنه ليس شرطاً فيمن يؤذن، والأصل براءة الذمة، لعدم ورود شيء في ذلك.
[ الثامنة: هل من شرطه ألا يأخذ على الأذان أجراً أم يجوز له أن يأخذه؟ ]، والراجح في هذه المسألة ومثلها الإمامة، ومثلها التعليم.. إلى غير ذلك من الأعمال المطلوبة أنه لا يجوز أخذ الأجرة على ذلك، ولكنه يجوز أخذ المال على تفرغه لذلك، وهذا مما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في إعطائهم مرتباً لـأبي بكر حتى يتفرغ لعمل الخلافة.
أقوال العلماء في الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر
أقوال العلماء في أخذ الأجرة على الأذان
قال المصنف رحمه الله: [ القسم الخامس: فيما يقوله السامع للمؤذن.
اختلف العلماء فيما يقوله السامع للمؤذن: فذهب قوم إلى أنه يقول ما يقول المؤذن كلمةً بكلمة إلى آخر النداء، وذهب آخرون إلى أنه يقول مثلما يقول المؤذن، إلا إذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ]، وبه قال الأئمة الأربعة.
[ والسبب في الاختلاف في ذلك تعارض الآثار، وذلك أنه قد روي من حديث أبي سعيد الخدري ]، وهذا الحديث أخرجه البخاري و مسلم [ أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثلما يقول ) وجاء من طريق عمر بن الخطاب ] وهو حديث أخرجه مسلم .
[ وحديث معاوية : ( أن السامع يقول عند حي على الفلاح: لا حول ولا قوة إلا بالله ).
فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بعموم حديث أبي سعيد الخدري ]؛ لأنه متفق عليه.
[ ومن بنى العام في ذلك على الخاص جمع بين الحديثين، وهو مذهب الإمام مالك بن أنس والثلاثة ].
الراجح فيما يقوله من يسمع المؤذن
والراجح بناء العام على الخاص، وهو أن يقول عند الحيعلة الحوقلة، وبهذا قال الأئمة الأربعة. قال ابن رسلان في الزبد:
لكنه يبدل لفظ الحيعلة إذا حكى أذانه بالحوقلة.
وهذا ما يسمى بالنحت، وهو أن يجمع الكلمات المتعددة في كلمة واحدة.
كـ(لا حول ولا قوة إلا بالله) حوقلة، و(حي على الصلاة حي على الفلاح) حيعلة، (حسبنا الله ونعم الوكيل)، حسبلة، (بسم الله الرحمن الرحيم)، بسملة.. وهكذا فهذا ما يسمى بالنحت.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.