إسلام ويب

تفسير سورة الجمعة (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوراة كتاب عظيم أنزله الله على نبيه ورسوله موسى عليه السلام، فيه الشرائع والأحكام والآداب، وفيه ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته ونعوته، وقد أنزله الله على نبيه لهداية بني إسرائيل، فلم ينتفعوا به ولم يهتدوا، وقد أمر الله نبيه محمداً هنا أن يدللوا على صدق معتقدهم بتمني الموت، ويخبره سبحانه في ذات الوقت أنهم لن يتمنوه أبداً؛ لأنهم لم يقدموا لأنفسهم خيراً في حياتهم، لكنهم مع ذلك ميتون لا محالة، وبين يدي الله موقوفون، وبأعمالهم مجزيون.
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:5-8].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، الذي ضرب هذا المثل وبينه هو الله. فهو يخبر تعالى أن مثل الذين حملهم التوراة رب العالمين ليدرسوها ويعملوا بما فيها ثم أعرضوا عنها وتجنبوها، وما اجتمعوا عليها ولا طبقوا ما فيها وهي عندهم، أن هؤلاء مثلهم كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]. فالحمار إذا وُضع على ظهره عدد من الأسفار والكتب فإنه لا يدري ماذا على ظهره، ولا يستفيد من ذلك شيئاً.

    وهذا كما قاله الله لأهل الكتاب، فنحن نقوله لأهل القرآن، فالذين يحفظون القرآن ولا يعملون به مثلهم كمثل الحمر التي تحمل أسفاراً. فالذين يقرءون القرآن ويشركون بالله ويفجرون ويفسقون ولا يعملون بما فيه والله مثلهم كمثل الحمار، فالحمار يحمل أسفاراً وكتباً عظيمة، ولكنه لا يعرف ما على ظهره. وهذه موعظة كاملة.

    وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [الجمعة:5]، الذي حملهم هو الله. وقد أنزل التوراة على عبده ورسوله موسى، وطلب من بني إسرائيل الإيمان والعمل بها، فآمن من آمن، وعمل من عمل، ثم انتكسوا وارتدوا، وأضاعوا التوراة، ولم يعملوا بشيء منها. ومن ذلك: أنه ورد في التوراة صفات النبي محمد، فكذبوا بها وأعرضوا عنها. ففي التوراة الإيمان بالنبي الخاتم محمد، فلم يؤمنوا به، وإنما أعرضوا عنه.

    وقوله: ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا [الجمعة:5]، أي: يعملوا بما فيها، كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5].

    ثم قال تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [الجمعة:5]، أي: بئس هذا المثل المضروب للذين كذبوا بآيات الله. وقد كذب اليهود بالقرآن، وكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا عنده في المدينة، وحاربوه وسقوه السم وحاولوا قتله، وما إلى ذلك. فلعنة الله عليهم.

    وهذه الآية عجب، فهو يقول فيها: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [الجمعة:5]. والتوراة كتاب عظيم فيه ألف سورة، فهي كتاب عظيم أنزله الله على عبده ورسوله موسى عليه السلام، وفيه الشرائع والأحكام والآداب كما في القرآن، وفيه نعوت النبي الخاتم وصفاته، وإذا بهم يكذبون بكل ذلك، والعياذ بالله. فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً، أي: كتباً. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [الجمعة:5] من العرب والعجم، واليهود والنصارى، ومن كل البشر، فـ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [الجمعة:5].

    وأخيراً: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5]. فمن ظلم بأن أشرك وكفر وفسق وفجر واعتدى وظلم فالله عز وجل لا يهديه. وقد علمنا هذا غير ما مرة، وهو: أن من توغل في الفساد والشر عاماً بعد عام فإنه يجيء وقت ما يهتدي، وما يقبل الهداية أبداً، بل يرفضها، وقد رفضها اليهود وهم في المدينة يسمعون قراءة القرآن، ويشاهدون الرسول يصلي والمؤمنون وراءه، وما آمنوا.

    أنواع الظلم

    قد بينت للسامعين والسامعات: أن الظلم ثلاثة أنواع، وهي: ظلمك لنفسك أولاً بارتكابك الجرائم والموبقات، والذنوب والآثام، فإنها تخبث نفسك وتلوثها، وتصبح منتنة عفنة، ولا يرضى الله عنها أبداً، ولا يرضى أن تجاوره في السماء أبداً.

    وظلمك لربك بعبادة غيره، وذلك بأن تعطي العبادة التي تعبد العباد بها لغيره، وليس هناك ظلم أفحش من هذا الظلم، كما قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام:21]. وقال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]. فإياك أن تأخذ عبادة من عبادات الله وتعطيها لمخلوق من مخلوقات الله! حتى ولو كان الحلف بفلان أو فلان، فهذا ظلم عظيم، وقد قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    والظلم لغيرك لا يجوز، سواء لعباد الله الكافرين أو المؤمنين، فلا تعتدي على أموالهم، ولا تعتدي على أبدانهم، ولا تعتدي على أعراضهم، ولا تسب ولا تشتم، ولا تقبح ولا تعير أبداً، وإلا فأنت ظالم. ومن ظلمهم فقد ظلم نفسه، وعرضها للمسخ والسخط، والله لا يهدي القوم الظالمين في كل زمان ومكان. فمن توغل في الظلم وواصل الظلم ولم ينقطع منه ولم يتب ولم يرجع فإنه يبلغ مستوى ما يقبل فيه التوبة أبداً.

    والآن نعرف أن وزير الأوقاف المصري أو الشئون الدينية أعلن عن حرمة الدخان، وقال للمرأة: إذا زوجكِ أبى أن يترك الدخان فطالبي بطلاقك. وهذه فاتحة عظيمة. هذا الحاكم المصري قد أعلن كما بُلغت الآن: أن الدخان حرام، لا يحل بيعه ولا شراؤه، ولا غرسه ولا الانتفاع به أبداً. فالحمد لله.

    والشاهد عندنا: أن المتوغلين في الدخان ما يستطيعون أن يصبروا عليه، وسوف يشتهونه في الخفاء ويستعملونه، ولا يهديهم الله؛ لأنهم توغلوا في هذا الفساد. والله تعالى نسأل أن يعافينا، ويعافي كل المؤمنين والمؤمنات.

    هكذا يقول تعالى هنا: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [الجمعة:5]. وهم اليهود. وقد حمَّلهم إياها ربهم بواسطة رسله وأنبيائه. فقد حملهم التوراة ليعملوا بها، ويحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرم الله، ويعبدوا الله بما شرع من أنواع العبادات. ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا [الجمعة:5]، بل أضاعوها وأهملوها، فمثلهم كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، أي: مثل الحمار الذي على ظهره كتب، فإنه لا ينتفع بها.

    وقد قلت لكم هنا كما قال أهل العلم، وهو: ليتنبه أهل القرآن من أن يدخلوا في هذا، فالذين يحفظون القرآن الكريم ويفجرون ويفسدون ويعبثون يدخلون في هذا المثل، فهم والله كمثل الحمار عليه أسفار، لم ينتفع بها.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3087781549

    عدد مرات الحفظ

    773987978