وأما صلاة الفريضة فت1صلى في بيت الله عز وجل كما أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بصلاة الجماعة، وهمَّ أن يخالف إلى أقوام يتخلفون عن صلاة الجماعة فيصلون في بيوتهم فيحرق عليهم بيوتهم، فلا بد أن يصلي المؤمن صلاة الجماعة في بيت الله سبحانه وتعالى، فصلاة الجماعة فرض حيث ينادى بها، كما قال
ابن مسعود وغيره، فلا يتخلف الإنسان عن صلاة الجماعة إلا لعذر، وخاصة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (
من سمع النداء فلم يلب فلا صلاة له إلا من عذر) وصلاة الجماعة في المسجد للرجال.
وأما النساء فجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
وجاء في الحديث الذي رواه أحمد عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: (أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك) فالمرأة تحب أن تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلوات الجماعة كلها. فقال: (قد علمت) فصدقها النبي صلى الله عليه وسلم وهي صادقة في ذلك، قال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتكِ في بيتكِ خير من صلاتكِ في حجرتكِ، وصلاتكِ في حجرتكِ خير من صلاتكِ في دارك، وصلاتكِ في داركِ خير من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خير من صلاتكِ في مسجدي، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل).
فصلاة المرأة الفريضة في بيتها خير لها من صلاتها مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إن كان خروج المرأة لتلقي علم شرعي تحتاج إليه، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للنساء يوماً يخرجن ويأتين إليه، فيحدثهن صلوات الله وسلامه عليه، ويعلمهن ويسألنه ويجيبهن صلوات الله وسلامه عليه.
وأيضاً جاء عنه: أنه منع من منع النساء من الخروج إلى المساجد، ففي حديث ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن).
إذاً: فالصلاة المكتوبة على الرجل أن يصليها في المسجد، وعكسه المرأة، فصلاتها في بيتها خير لها، وأما النافلة فصلاة الرجل في بيته خير له من صلاته في المسجد، إلا أن تكون تراويح في رمضان فهي مع الجماعة أفضل من صلاة الإنسان وحده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه ليلة وثانية وثالثة، ثم خشي أن تفرض عليهم هذه الصلاة فلم يصلها بهم بعد ذلك صلى الله عليه وسلم خشية الفرضية، ولفضلها اجتمع الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وكانوا يقومون فرادى في بيت الله عز وجل في المسجد النبوي؛ خوفاً من أن تفرض عليهم صلاة التراويح جماعة، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم وزلت خشية فرضية صلاة التراويح رجع الأمر إلى أن صلاتها في الجماعة أفضل، ولذلك رتب الخلفاء الراشدون لها من يصليها بالناس جماعة في بيت الله سبحانه وتعالى.
وصلاة النافلة عموماً في البيت خير للإنسان من صلاته في المسجد، وأفضل ثواباً منها بكثير، ولا بد أن يعتاد الإنسان على الصلاة في بيته، ولا تكون عادته أنه لا يصلي إلا في المسجد، ويكون مثل النصارى واليهود في أن صلاتهم لا تنفع إلا في أماكن الصلاة التي أعدت لذلك، ففي الإسلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فالصلاة تنفع في أي مكان على الأرض إذا كان طاهراً، وأما صلاة الجماعة فحيث ينادى بها، ولو أن الصلاة لا تصح إلا في المسجد لأصبح ذكر الله مقيداً بالمساجد؛ ولذلك جعل الله عز وجل لنا أن نذكره في كل حال من الأحوال قائمين وقاعدين ومضطجعين ونائمين، ونصلي له عز وجل في المسجد، وفي البيت، وفي الصحراء، وفي السوق، وفي أي مكان طالما أنه طاهر.
وأما الفريضة فإذا نودي لها فإنها تصلي في بيت الله عز وجل؛ لأن الجماعة تضعف على صلاة الإنسان وحده بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة، وإذا صلى في الصحراء وحده ولكنه أذن وأقام فإن صلاته وحده تعدل صلاة الفرد خمسين مرة، مع أنه صلاها وحده في الصحراء، ولكنه لما أذن وأقام فإنه يصلي وراءه من خلق الله ما يشاء الله عز وجل من ملائكة وجان.
فضل صلاة النافلة في البيت
ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في المحافظة على النوافل في اليوم والليلة: حديث
أم حبيبة كما في صحيح
مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (
ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة، أو: إلا بني له بيت في الجنة)، وأنت لو أردت أن تبني بيتاً في الدنيا فإنك تجمع المال وتشتري أرضاً لتبني عليها البيت، ولا تدري كم ستعيش فيه، وبعد ذلك تتركه وتذهب، ولكنه في الجنة بيت خالد لك، فابن لك كل يوم بيتاً في الجنة بهذا الشيء، وقد تبني أكثر من ذلك فإذا حافظت على اثني عشرة في اليوم والليلة بني لك بيت في الجنة، وهذا لمن ثابر على ذلك وحافظ عليها، ففي الحديث: (
ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم)، يعني: مواظباً على ذلك، (
ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة) أي: تطوعاً، وهي صلاة النوافل الرواتب، وقد بينها في رواية أخرى فقال صلى الله عليه وسلم: (
أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة)، أي: قبل صلاة الفجر فيكون ترتيبها هكذا: ثنتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء فلو واظبت عليها كما في الحديث الآخر عن السيدة
عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
من ثابر -أي: واظب وصابر على ذلك- على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة) أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر.
فضل المحافظة على ركعتي الفجر
فضل المحافظة على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها
فضل المحافظة على أربع ركعات قبل العصر
ولم يأت في الحديث الذي ذكر المواظبة على اثنتي عشرة ركعة شيء منها قبل العصر، ولكن جاء في الحديث كما في مسند
أحمد وفي السنن عن
ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (
رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً). فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن يصلي قبل العصر أربع ركعات، وهذه سنة أخرى، ولكنها ليست في التأكيد كتأكيد الاثنتي عشرة ركعة التي ذكرناها.
فضل التطوع بين المغرب والعشاء
وأما في المغرب فقد جاء في حديث
أنس رضي الله عنه قال في قوله تعالى:
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ 
[السجدة:16]، قال: (نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة، كانوا ينتظرون بين المغرب والعشاء في المسجد ينتظرون العشاء، وكانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون) يعني: لم يكونوا يقتصرون على ركعتي سنة المغرب فقط، بل كانوا يجعلون ذلك من قيام الليل فيصلون بعد المغرب ما شاء الله عز وجل لهم من النوافل.
الترغيب في التطوع بعد صلاة العشاء
وأما بعد العشاء فكما جاء في الحديث أنه يُصلي ركعتان، وفي حديث آخر قال: (
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى العشاء ورجع إلى بيته صلى أربع ركعات) صلوات الله وسلامه عليه. ومن زاد فله خير في ذلك، وهذا غير قيام الليل، فقد كان يقوم الليل صلوات الله وسلامه عليه كما قالت السيدة
عائشة رضي الله عنها: (
أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة).
فالغرض: بيان النوافل التي يسمونها الرواتب، يعني: التي هي مخصوصة بصلوات معينة، فتكون قبلها صلاة وبعدها صلاة، فيصلي قبل الظهر أربعاً وأربعاً بعدها، والعصر يصلي قبلها أربعاً، والمغرب يصلي بعدها ركعتان، والعشاء يصلي بعدها ركعتان أو أربع ركعات، ويقوم من الليل ما شاء الله عز وجل له أن يقوم، والفجر يصلي قبلها ركعتان، فهذه هي الصلوات المرتبة بعد الفرائض، فاحرص عليها، ولو على أقل ما فيها، وهن الاثنتا عشرة ركعة التي ذكرناها؛ حتى يبنى لك بيت في الجنة.
نسأل الله عز وجل ألا يحرمنا من جنته، وأن يحرم علينا ناره.
أقول قول هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.