إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [49 - 50]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في سورة الأحزاب بعض مسائل طلاق المرأة، فإذا طلق الرجل المرأة وقد دخل عليها كان الطلاق رجعياً إلا أن يكون خلعها على مال، وكذلك يكون الطلاق رجعياً في خلال العدة، وطلاق المرأة قبل الدخول عليها طلاق بائن، فلا هزل في أمر الطلاق، والطلاق لا يقع حتى يكون النكاح على قول جمهور العلماء، وقد أحل الله لنبيه أزواجه منة منه سبحانه، وكافأ الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم زواجه عليهن، ثم أحله له بعد ذلك، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه من غير زواج مكافأة منه لهن.

    طلاق المرأة قبل الدخول عليها وبعد الدخول عليها

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:49-50].

    يقول الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في أمر النكاح: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49].

    وقد ذكرنا أن الإنسان إذا تزوج إما أنه يدخل بالمرأة أو أنه لا يدخل بها، فإذا دخل بها وطلقها كان الطلاق رجعياً، إلا إن خالعها على مال فيكون الطلاق بينونة صغرى، أو يكون القاضي هو الذي طلق على الرجل فتكون أيضاً بينونة صغرى، لا مراجعة له، فإذا أراد أن يتزوج يكون الزواج بعقد من جديد.

    وإذا طلق الرجل المرأة وانقضت العدة في طلقة رجعية، فتكون قد بانت منه أيضاً بينونة صغرى، فلا رجوع له، إلا إذا أراد أن يعقد من جديد بمهر جديد، وولي وشهود.

    لكن إذا أراد الرجوع في خلال عدة المرأة وكان الطلاق رجعياً، فله أن يراجعها من غير ولي، وتصح المراجعة من غير شهود، ويجب عليه أن يشهد في المراجعة.

    وإذا طلق الإنسان المرأة قبل أن يدخل بها، فإنها تبين منه بهذه التطليقة.

    وليس هناك هزل في أمر الطلاق، فقد ورد في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة).

    فإذا كان الرجل يمزح مع المرأة وقال لها: أنت طالق، فقد وقع الطلاق، سواء كان يقول: أنا كنت أنوي طلاقاً أو لم أنو طلاقاً؛ لأن اللفظة لفظة طلاق، يقع بها، ولا هزل في ذلك.

    كذلك لو أن الرجل طلق المرأة، ثم قال: راجعتك، فقد رجعت له المرأة بذلك، ولو أنه قال: أنا أمزح لم أراجعك، وأنت طالق، وقعت طلقة ثانية، لأن لفظ الطلاق ليس فيه هزل ولا مزاح، فتجد الذي يلعب بالطلاق تقع منه طلقة أولى، وطلقة ثانية، فيأتي متحسراً، ويقول: طلقت المرأة، ولم أكن أقصد، إنما كانت نيتي كذا وكذا، فنقول: الطلاق يقع بلفظ الإيقاع أي: إذا قال: أنت طالق يقع الطلاق منه.

    وكثير من الناس يقول لزوجته: أنت طالق! ثم يقول: كنت أهددها، وليس هناك تهديد في كلمة: أنت طالق، هذا إيقاع للطلاق.

    إنما التهديد قد يقبل من الرجل إذا كان يحلف بالطلاق، كأن يقول لها: لا تفعلي كذا، وافعلي كذا، فهنا قد يقبل منه أن يقول: كنت أهدد، وقد يحمل على اليمين، وفيه كفارة يمين إذا لم يقصد الطلاق، لكن إيقاع الطلاق: أنت طالق! ليس فيه كلام، بل يقع الطلاق بنية أو بغير نية في ذلك.

    وفي هذه المسألة يذكر الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الأحزاب:49] فذكر سبحانه: أن الرجل إذا نكح ثم طلق، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49] فلا يوجد عدة، إذاً: الطلقة وقعت، وليس لك مراجعتها.

    وكثير من الشباب يكون قد عقد، ثم تأخذه العزة أحياناً، ويغضب على المرأة، فيقول: أنت طالق، ثم بعد ذلك يخاف أن يذهب إلى أبيها وقد طلقها، فيأبى أبوها أن يرجعها له، فيقول لها: تعالي أرجعك عند القاضي. فلا ترجع إليه بذلك، فإذا تزوجها على ذلك، فهو نكاح باطل، وليس صحيحاً، ولا بد من تزويج الولي، لأن هذا الرجل لم يدخل بها، والذي له أن يراجع المرأة من غير ولي هو الذي دخل بها فطلقها، ففي خلال فترة العدة له المراجعة.

    طلاق المرأة قبل الزواج بها

    في هذه الآية وهي قوله سبحانه وتعالى: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49] لاحظ الترتيب:

    نَكَحْتُمُ [الأحزاب:49] فذكر النكاح.

    ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الأحزاب:49] فأخذ منها العلماء مسألة من هؤلاء العلماء:

    علي بن الحسين فإنه سئل عن رجل قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، أي: إذا غضب شخص من امرأة وقال لها: إن تزوجتك فأنت طالق! فقد علق الطلاق على الزواج، قال علي بن الحسين: ليس بشيء، فقد ذكر الله عز وجل النكاح قبل الطلاق، وهذا فقه دقيق، وهو أنه لا يقع الطلاق حتى يكون النكاح، فإذا قال الإنسان لامرأة غريبة عنه لا يعرفها: أنت طالق! ولم يتزوجها بعد لا يقع الطلاق بهذا الشيء؛ لأنها ليست امرأته.

    كذلك لو قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق! فلو تزوجها لا يقع الطلاق، وإن كان هناك قول في مذهب الإمام مالك وهو الراجح عندهم، أن الإنسان إذا قال ذلك للمرأة، وكان محصوراً بفترة معينة، أو بزمن معين، أو بامرأة معينة، أو بعدد من النساء معينات، يقع هذا الطلاق، فإذا تزوج هذه المرأة التي قال فيها ذلك يقع الطلاق.

    أو يكون شائعاً كأن يقول الإنسان: إن تزوجت فكل امرأة أتزوجها هي طالق، قالوا: هذا تضيق على نفسه، فهنا يكون قد حرم ما أحل الله سبحانه، فجعلوا إذا قال ذلك على العموم لا يقع شيء، وإذا خصص وقع الطلاق.

    والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: أن الطلاق لا يقع حتى يكون النكاح، يعني: ينكح أولاً ثم بعد ذلك إذا طلق وقع هذا الطلاق.

    ولذلك جاء في حديث المسور بن مخرمة الذي رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك) أي: لو أن إنساناً قال لامرأة: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها، لا يقع؛ لأن هذا التطليق كان قبل أن ينكح هذه المرأة، فلا يقع هذا الطلاق.

    كذلك لا عتق قبل ملك، فإذا قال إنسان لعبد: لو اشتريتك فأنت حر، لا يقع التحرير حتى يشتريه ثم يتلفظ بلفظ التحرير بعد ذلك.

    وفي الحديث الآخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حديث أيضاً عن ابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب (لا طلاق قبل نكاح).

    وروى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك) والمقصود هنا: أن الإنسان لا يقع منه عتق على من لا يملكه، ولا يقع منه طلاق على من لم يتزوجها أصلاً، وكذلك لا نذر له فيما لا يملك، كأن يقول: لله علي نذر إذا حدث كذا أني أذبح ناقة فلان، وليست الناقة ملكه حتى يذبحها، فليس له أن ينذر هذا النذر، وهناك تفصيل لأهل العلم في ذلك، لكن الغرض مسألة الطلاق، أنه لا يقع طلاق حتى يتم النكاح، والشاهد هذه الآية، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الأحزاب:49] فرتب التطليق على وجود النكاح.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087746318

    عدد مرات الحفظ

    773836082