إسلام ويب

مما بينه العلماء في الاعتقاد: مسائل الأسماء والصفات، والضابط فيها، وضلال الفرق المبتدعة وأباطيلهم والتحذير منها، وكذلك بينوا مسائل القدر وتوضيح منهج السلف في التعامل معها باتباع الدليل والبعد عن الخوض فيها بالعقول والأهواء.

مسائل الأسماء والصفات وسبب تصدير المصنف كتابه بها

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم حقق توحيدنا، وارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا رب العالمين.

أما بعد:

قال المصنف رحمه الله: [ الواحد الصمد ليس له صاحبة ولا ولد, جل عن المثيل, ولا شبيه له ولا عديل, السميع البصير, العليم الخبير, المنيع الرفيع ].

ابتدأ المصنف رحمه الله هذه المسائل بعد بيان سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بها، فبدأ بمسائل الأسماء والصفات, ومسائل الأسماء والصفات هي أحد أنواع التوحيد, وذلك أن التوحيد على أنواع:

النوع الأول: توحيد الله عز وجل في ربوبيته, وذلك في أفعاله سبحانه وتعالى, والنوع الثاني: توحيد الله عز وجل في ألوهيته, وهو في أفعال العباد, بأن يخلصوا العبادة لله سبحانه وتعالى, فلا يجعلوا له شريكاً, ولا يجعلوا له نداً, والثالث: هو توحيد الله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته.

وذلك أن جهل الطوائف إما أن يكون في أحد هذه الأنواع، وإما أن يكون في جميعها, ويختلفون بحسب مذاهبهم وطوائفهم, منهم من أصل ضلاله في أبواب الأسماء والصفات, ومنهم من أصل ضلاله في أبواب توحيد الألوهية, ومنهم من أصل ضلاله في توحيد الربوبية, وغير ذلك, فمستقلون ومستكثرون من هذا الضلال.

ولعل المصنف رحمه الله إنما صدر المسائل المتعلقة بالأسماء والصفات؛ لأنه إما أن السائل ألمح بسؤاله عنها ابتداء فأراد أن يجيبه ابتداء على ذلك, وإما أن يريد أن يبين أن الفتن وشبه الأقاويل إنما تعلقت بهذه المسألة أكثر من غيرها فأراد أن يبين المسائل المتعلقة بها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته بما بينه هنا.

فابتدأ بقوله: (الواحد الصمد), الله سبحانه وتعالى واحد صمد؛ كما في قول الله جل وعلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:1-3], وهذه السورة تسمى بسورة نسب الرحمن, وذلك أن المشركين من كفار قريش؛ كما روى ابن جرير الطبري وغيره, ( قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك ), وذلك أنهم يقيسون الله على ما أحوالهم من تناسبهم وتناسلهم, فانقدح في أذهانهم أن الله عز وجل كذلك, تعالى الله عن ذلك, فأنزل الله عز وجل عليه قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4], هذا فيما يتعلق بهذه المسألة.

قاعدة نفي المماثلة عن الله عز وجل

والآن نريد أن نبين الأصل في أبواب الأسماء والصفات، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فالتماثل منتفٍ عن الله سبحانه وتعالى مع خلقه, فلا مثيل ولا نظير ولا شبيه ولا ند له, وهذه القاعدة إذا استقرت لدينا فإنها تَحُل كثيراً من الإشكالات في هذا الباب, وذلك أنه إذا لم يكن للشيء مثيل فإنك لا تستطيع معه القياس, ولا تستطيع أن تجعل لكل شيء من صفاته لوازم, فيلزم من ذلك أن تجعل في ذلك تناسخاً, وكذلك أيضاً صفات لازمة لكل صفة, حتى يلزم من ذلك إيجاد صفات لا دليل عليها, ولهذا كان عقيدة السالفين التمسك بظواهر الأدلة من الكتاب والسنة, وإثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه في كتابه من الأسماء والصفات من غير زيادة, وأن يمروها كما جاءت؛ لأن ما زاد عن ذلك لا بد أن يكون بالقياس، فالله عز وجل خلق عقل الإنسان, وعقل الإنسان إناء ووعاء, والوعاء إذا وضع فيه شيء أعطاك بما فيه وأخذ يقيس لك ما فيه, فإذا وضعت في الإناء لبناً أو وضعت فيه عصيراً أو وضعت فيه خمراً أو وضعت فيه ماء فأردت أن تخرج منه أخرج لك ما فيه, فإذا أردت أن تقيس عليه ما كان خارجاً عنه فإنه لا يمكنك ذلك؛ لأنه لا وجود لمثيل في عقلك لما كان خارجاً عنه، فإذاً لا يمكن أن تعطيه.

ضلال أهل القياس في باب الأسماء والصفات

والناس إنما ضلوا في هذا الباب -سواء كانوا من المعطلة الذين عطلوا أسماء الله عز وجل أو صفاته, جميعها أو بعضها, أو المشبهة- بسبب اختلال هذه القاعدة, واعتقادهم أن الإنسان إذا أراد أن يتكلم في صفات الله عز وجل يقيسها على ما هو عليه في حاله, وهذا معلوم لدى الناس؛ فلو قام رجل على سبيل المثال في أفريقيا يحدث الناس، ويقول: إنه أتاني رجل ودخل علي وجلس معي ونحو ذلك فالناس سيتخيلون مثلاً أنه نوع معين من ألوان البشر ولباس البشر وطريقة الجلوس التي كانوا عليها, وإذا حدث بهذه القصة شخص مشرقي أو حدث بها رجل أوروبي فإن التصور الكائن يختلف؛ لأن كلاً يصور على حياته وحالته.

كذلك أيضاً من جهة الزمان؛ إذا حدثت بقصة تقول: أتى فلان من مكة وأقام عندي ونحو ذلك, في زماننا تتخيل أنه جاء على سيارة, إذا كان شخص في أقصى الأرض يتخيل أنه جاء على طائرة؛ لأنه يستحيل أن يأتي على سيارة, وإذا كان قبل قرنين ونحو ذلك يتخيل أنه جاء على الراحلة, إما على الإبل أو على الخيل, أو نحو ذلك, أو جاء ماشياً؛ لعدم وجود هذه الأشياء, إذاً عقل الإنسان وعاء يقيس على ما هو عليه.

كذلك أيضاً من جهة الأكل؛ إذا حكيت للناس أنه مثلاً كان عندنا وليمة، ثم اجتمع عليها عشرة من الناس، ثم جلسنا ونحو ذلك, فالشخص بحسب البلد يتخيل وليمة معينة وأنه كان يأكل على طريقته, من كان مثلاً من الأوروبيين يتخيل أنه كان يأكل مثلاً على صفة معينة، إما على طاولة أو بشوكة وسكين, ومن كان في بلد معين يتخيل أنه كان على الأرض أو نحو ذلك في ذهنه مع أن القصة واحدة؛ لماذا اختلف المثال؟ اختلف المثال في هذا؛ لأنك قست على ما تشاهده، والله سبحانه وتعالى لا مثال له في عقلك, لا يقظة ولا في منام, ولهذا الله عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

فينبغي على الإنسان أن يمر النصوص كما جاءت؛ لأنه إذا خطر في باله شيء, فهو من مثال, فعليه ينتفي صحة قوله لانتفاء صحة المثال وظهور خطئه, ولهذا إذا ثبت لدينا هذا الأمر علمنا أن الذين يعطلون صفات الله عز وجل من باب التنزيه, فيقولون: إننا إذا أثبتنا الصفات يلزم من ذلك أن تكون أجساماً, إنها أجسام قلنا أجسام يلزم أن تكون محدودة.

فمثلاً: إذا نزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وغير ذلك, فيقيس الإنسان على نفسه مثلاً من نزوله أو ذهابه ومجيئه، والله عز وجل في صفاته سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا ند ولا نظير.

معنى اسمي الواحد الصمد

وإنما ابتدأ المصنف رحمه الله بهذه الصفة بقوله: (الواحد الصمد), وذلك لأن الواحد هو أصل وحدانية الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية, وتفرده جل وعلا بأفعاله سبحانه وتعالى.

وأما بالنسبة للفرد فهل هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى؟ منهم من يلحق ذلك بالواحد أو الأحد من جهة المعنى, ومنهم من لا يلحقه بذلك, فيقول: لا بد من ثبوت الدليل الصحيح في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الصمد فجاء في كلام المفسرين على عدة معان, فقيل: إنه السيد, وقيل: إنه الذي لا جوف له, يعني: أنه لا يأكل ولا يشرب, واختلف ترجيح العلماء في هذا المعنى, وكلا المعنيين صحيح في هذا, وقيل غير ذلك.

يقول هنا: (ليس له صاحبة ولا ولد), وهذا جواب على سؤال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألوه عن نسب الرحمن, إنما سألوه عن ذلك؛ لأنهم يتناسلون, فظنوا أنه كذلك.

ضلال الفرق بإدخال الأسماء والصفات في دائرة سببية الكون

ولهذا نقول: قاعدة؛ إنما يقع الخلل في أبواب الأسماء والصفات؛ لأن الإنسان يدخل ما جاء عن الله سبحانه وتعالى في أبواب أسمائه وصفاته وذاته داخل دائرة سببية الكون, فيأتي في مسألة البداية بلا انتهاء، من خلق الله؟ ومن أوجد الله؟ وما هو نسب الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.

والإنسان في دائرة من الحياة يعيش فيها, لا يحكم قانون الكون على قانونه؛ لأنه يوجد قانون آخر؛ كقانون الجاذبية, فمثلاً: أنت الآن كل شيء ترمي به يسقط إلى أسفل, لكن هناك قانون آخر وهو أنك إذا رميت بشيء لا يسقط إلى أسفل, إذا حدثتك بمثل هذا الشيء ربما إذا كنت لا تعلم تقول: هذا جنون؛ لأنك أنت داخل دائرة كونية معينة, فأنت تحكي القياس.

كذلك أيضاً عجلة الزمن, الله خلق الزمن وأوجدك داخل عجلة الزمن, وأوجد لك الليل والنهار وخروج الشمس وطلوعها, فلا تدخل الله عز وجل معك في مثل هذا المعنى, فالله سبحانه وتعالى خارج هذا القانون الذي أنت تراه, سواء القانون السببي من جهة تكوين الكائنات وعجلتها, وهو ما يسمى بقانون السببية أو الحتمية السببية, أو أيضاً العجلة الزمنية التي يراها الإنسان, ولهذا الله سبحانه وتعالى يعلم الزمان بلا شمس تشرق ولا تغرب, ولا هلال يظهر ولا يغيب, ولا دوران الأفلاك, وإنما جعلها الله سبحانه وتعالى ليعلم الإنسان, ويعلمه الزمان ويقيم الحجة عليه.

كذلك أيضاً حتى ما يكون لدى الناس, الله عز وجل جعل رقيباً وعتيداً؛ من يكتب الحسنات والسيئات, هل لأن الله عز وجل يريد أن يعلم هذا؟ لا، الله يعلم بلا حسيب ولا رقيب ولا حساب, كذلك الله عز وجل قادر أن يأخذك من الدنيا بعد انقضاء الأجل ويضعك في مكانك من النار من غير ميزان؛ لأنه يعلم الحسنات, ولكن الله عز وجل جعل ذلك لأجل أن يقيم الحجة عليك, وأن تقتنع بأنك فعلت هذه السيئات, فهذه الصحيفة, وهؤلاء الشهود, وإن أنكرت الشهود أتاك بشهود آخرين, فإن أنكرت جميع الشهود أتاك بشاهد من نفسك, فأنطق يدك وأنطق قدمك وأنطق فخذك وأنطق فرجك وأنطق جوارحك حتى تحجم عن الإنكار.

إذاً الله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على عباده ويجري سنن الكون، وليس للإنسان أن يجري الخالق على سنن الكون.

ولهذا نقول: إنه ينبغي ويجب على الإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير ولا ند, والله جل وعلا يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فإذا لم يكن له مثيل في ذاته فليس للإنسان أن يجعل قانون الكون وسببيته لها أثر في هذا الباب عليه من جهة النظر إلى خالقه سبحانه وتعالى. فإذا كانت سببية البهائم تختلف عن سببية الإنسان من جهة التكوين والتركيب والأعمار والعجلة الزمنية, ومن جهة التفكير, وكذلك أيضاً الكائنات فيما بينها كالنباتات وغيرها, كل له سببية معينة تجري عليه, فكيف بالخالق سبحانه وتعالى الذي خلقها وأوجدها من عدم.

يقول: (ليس له صاحبة ولا ولد), جل عن المثيل, فلا شبيه له ولا عديل, قيل: إن المثيل والشبيه والعديل والنظير بمعنى واحد, وقيل: إن بينها عموماً وخصوصاً.

ويقول: (السميع البصير, العليم الخبير, المنيع الرفيع) سبحانه وتعالى, فذكر بعض الأسماء لله سبحانه وتعالى, وذلك ليدل على الصفات بالتدليل، وذكر الأسماء؛ لأنه يؤخذ من الاسم صفة, ولا يؤخذ من كل صفة اسم, فذكر أسماء الله سبحانه وتعالى: الواحد, الصمد, السميع, البصير, العليم, الخبير, المنيع, الرفيع, فيؤخذ من السميع صفة السمع, ومن البصير صفة البصر, ومن العليم صفة العلم, ومن الخبير صفة الخبرة, ومن المنيع صفة المنع, ومن الرفيع صفة الرفعة والعلو لله سبحانه وتعالى.

قاعدة العلماء في باب العقائد بذكر الحق دون المخالف

وكذلك أيضاً ذكر المصنف رحمه الله هذه الأشياء، ولم يفصل فيها من جهة ذكر أنواع الصفات وأقسامها مما يذكره العلماء في أبواب مسائل الاعتقاد, وكذلك أيضاً الطوائف المخالفة في هذا الباب؛ لأن العلماء في أمور العقائد؛ إما أن يذكروا الحق ولا يذكروا المخالفين؛ لكثرتهم وتنوعهم في هذا الباب, فالطوائف المخالفة في مسائل الصفات كثيرة جداً ولا حصر لها ولا عد لأقوالها, وإن كانت أصولها تجتمع وتتفق على بعض المسائل فيكتفي العلماء غالباً في الطرح ببيان الحق والمجرى عليه؛ ولأن الباطل لا حد له؛ ولأن الحق في ذاته واحد, والجهل به متعدد.

فمثلاً: فلان اسمه محمد, هذا من جهة الحق, لكن إذا أتيت إلى الباطل فالباطل لا حد له, تستطيع أن تقول: زيد, وتستطيع أن تقول: عمرو, وتستطيع أن تقول: بكر, وتستطيع أن تقول: فلان وفلان, وتأتي بشيء من الباطل لا حصر له ولا حد, ولكن من جهة الحق تجمعه في نقطة.

ولهذا كان الحق يسير جداً, وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن العلم نقطة كبره الجهَّال؛ لأن العلم هو الحق, فالوصول إلى الحق هو العلم, وأما معرفة الجهل والتوسع في ذلك فهو بقدر جهالات الناس يأخذ الإنسان فيها ضرورة.

ولهذا العلماء عليهم رحمة الله تعالى يمتنعون من ذكر المسائل الافتراضية باعتبار عدم الحاجة إليها, وربما زادت الإنسان جهلاً وبعداً عن الحق؛ لأن الإنسان إذا لم يعلم بالشيء فذكر به على سبيل الافتراض سلكه وإن لم يكن يعلم به, وهذه طبيعة بشرية؛ فإن يعقوب عليه السلام لما أراد إخوة يوسف أن يذهبوا به, قال: أخاف أن يأكله الذئب, فجاءوا وقالوا: أكله الذئب, ولهذا فالإجمال يجعل الإنسان داخلاً في دائرة الإجمال, فلا يرد في ذهنه شيء من الاحتمال, فأحياناً ذكر الباطل في حال غيابه عن الإنسان يُذكِّره إياه ويأتي به, وهذا نوع من تلقين الحجج.

علو الله واستواؤه على عرشه

قال المصنف رحمه الله: [ عال على عرشه, وهو دان بعلمه من خلقه ].

ذكر هنا: العلو, بقوله: (عال على عرشه وهو دان بعلمه من خلقه), فالله سبحانه وتعالى مستو على عرشه, كما قال جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29], وعلوه سبحانه وتعالى على نوعين: علو ذات, وعلو قدر, وهو علو المعنى, فالمقصود بالعلو العلو بنوعيه, وخص علوه على عرشه سبحانه وتعالى واستواءه عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى في السماء بذاته, وهو مع خلقه بعلمه, وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4], فالله سبحانه وتعالى بذاته في السماء, مستو على عرشه, يعلم أحوال خلقه, ويسمعهم ويبصرهم سبحانه وتعالى, وعلوه سبحانه وتعالى من جهة القدر بأن الله في كل صفة من صفاته وفي كل اسم من أسمائه له الكمال المطلق في ذلك, من غير عيب أو نقص تعالى الله عز وجل عن ذلك.

الإيمان بالقدر

قال المصنف رحمه الله: [ أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, فالخلق عاملون بسابق علمه, ونافذون لما خلقهم له من خير وشر ].

العلاقة بين القدر والعلم

يقول: (أحاط علمه بالأمور, وأنفذ في خلقه سابق المقدور, يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).

الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام, واليوم عند الله سبحانه وتعالى كألف سنة مما تعدون, فالله سبحانه وتعالى قدر أحوال الخلق وتصرفاتهم وتقلباتهم وأجناسهم وأرزاقهم وآجالهم, وقدر الله سبحانه وتعالى عليهم الخير والشر, فهو يعلمه سبحانه وتعالى وهو الذي قدره.

وبين القدر والعلم تلازم, وذلك أنه لا يعلم تفاصيل الحوادث إلا من قدرها, ولا يقدرها إلا من علمها سبحانه وتعالى, ولهذا القدرية الذين ينفون القدر, ويزعمون أن الأمر أُنُف, يعني: الإنسان يستأنف في عمله وفي اكتسابه من الدنيا أو امتناعه, ويقولون: ذلك لا يعلمه الله سبحانه وتعالى إلا عند حدوثه, وهذا نفي للعلم, وإن كانت هذه الطائفة التي تنفي علم الله سبحانه وتعالى للحوادث هي طائفة شبيهة بالمنقرضة.

وأما الطائفة الموجودة أو السائدة فهي التي تنفي القدر وتثبت العلم, وهذا من الجهل؛ لأن من نفى القدر لا بد أن ينفي العلم؛ وذلك أنه لا يعلم تفاصيل ودقائق الأشياء إلا من وضعها وأمرها أن تكون كذلك.

فأنت على سبيل المثال من جهة النظر العقلي؛ تجد أن الإنسان في حال البناء كبناء المسجد أو الدور لا يعلم مساحاته ولا يعلم دقائق تركيبه, وما فيه من حديد, وما فيه من حجارة, وما فيه أيضاً من مواضع رمل ومقاديرها ونحو ذلك إلا من هندسها من جهة الأصل, وإلا لا يعلم هذه الدقائق أحد آخر, ولهذا الله سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى قدر أمور الخلائق سبحانه وتعالى وهو الذي يعلمها جل وعلا بتفاصيلها, أما أن ينفي القدر ويثبت العلم، فالعلم الدقيق في مثل هذا لا يكون إلا من مقدر, وهو الخالق سبحانه وتعالى.

الفرق بين القضاء والقدر

والقضاء هو القدر, والقدر: هو تقدير الله عز وجل للكائنات في آجالها وأفعالها وخيرها وشرها.

وأما بالنسبة للقضاء فالقضاء على نوعين: قضاء شرعي, وقضاء كوني, والقضاء الشرعي: هو أمر الله سبحانه وتعالى بفرائضه, كما في قول الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23], يعني: وصاه؛ كما جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود وغيره, أما القضاء الكوني فهو القدر, قدر الله سبحانه وتعالى وإرادته في الكون, وتقديره لأفعال العباد مما كتبه عليهم في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض.

ولما كان المقدر لهذه الأشياء لا بد أن يكون عالماً بها, والعالم بها وبتفاصيلها لا بد أن يكون مقدراً لها, يقول الله جل وعلا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14]؛ لأن وجود الأشياء وخلقها وخلق أفعالها لا بد أن يكون تصرفاً من خالقها, وعلم الخالق بدقائقها سبحانه وتعالى دليل على تقديره لها؛ وإذا أخبر الإنسان بأشياء وجزئيات وتفاصيل فقال: كتاب كذا في مكان كذا, وكتاب كذا في مكان كذا, وكتاب كذا في مكان كذا؛ لا بد أن يكون هو الذي وضعها؛ لأنه كلما أكثر في التفاصيل دل على أنه هو الذي دبر هذا الشيء, فكيف بدقائق هذه الأشياء من أمور الكون مما يعزب عن علم الإنسان وإدراكه ووعيه من تفاصيل الكائنات الدقيقة التي تسيل وتجري والله سبحانه وتعالى يعلمها! فيثبتون علم الله عز وجل لهذه الدقائق اليسيرة الخفية الغائبة, ومع ذلك ينفون تقدير الله عز وجل لذلك, وهذا من المتناقضات.

أحوال الناس في القدر

والناس في أمر القدر على طوائف:

الطائفة الأولى: هم الذين يقولون: إن الإنسان مجبور في فعله وقوله, يعني: أنه مسيَّر, وليس له اختيار, وهؤلاء هم الجبرية.

الطائفة الثانية: الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعاله, ولم يقدر الله عز وجل عليه شيئاً, وهؤلاء هم القدرية, وأول من قال بذلك هو: معبد الجهني، يقول: إن الأمر أنف, يعني: مستأنف, لا يعلم إلا عند حدوثه, وهؤلاء هم شبيهون بالمجوس, وذلك أن المجوس هم الذين يثبتون خالقين, والله سبحانه وتعالى الخالق وحده جل وعلا؛ وإنما شُبه القدرية بالمجوس؛ لأنهم يثبتون خالقين, وهما: الإنسان الذي يخلق فعله, والله الذي خلق الإنسان.

فهم يثبتون أن الإنسان هو الذي خلق الفعل, ولم يخلقه الله؛ لأنهم لو قالوا: خلقه الله أثبتوا القدر, والمجوس يثبتون الخالقين: خالق النور وخالق الظلمة, والنور يخلق الخير, والظلمة تخلق الشر, وهؤلاء من المجوس, وكذلك أيضاً من الزنادقة المانوية الذين يثبتون أن كل خير في الناس وفي الكون إنما هو من النور, وكل شر إنما يكون من الظلمة, وفي القدر طوائف من المعتزلة, يجرون كذلك على هذا المسلك.

الطائفة الثالثة: وهي طوائف السلف وأهل السنة والجماعة في إثبات القدر لله سبحانه وتعالى, وأن الإنسان مسير مخير, أي: له مشيئة لكن بعد مشيئة الله, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], والله عدل, يحاسب الإنسان على مشيئته, ولا يحاسبه سبحانه وتعالى على مجرد تقديره, فإذا وجدت مشيئة الإنسان واختياره جاء ثواب الله وعقابه عليه, وإذا لم يكن للإنسان اختيار لا يجري عليه الثواب ولا العقاب إلا رحمة من الله سبحانه وتعالى ومنَّة, وذلك لأن الإنسان يختلف عن الجماد, فالجماد لا اختيار له, وإنما يُحرك, ولهذا لا يعاقب ولا يجري عليه التكليف وليس له مشيئة, فالله عز وجل نزع المشيئة منه أو ليس له مشيئة أصلاً والمشيئة إنما هي لله, لكن الإنسان جعل الله عز وجل له مشيئة وهي بعد مشيئة الله, فالحساب والعقاب يكون على مشيئة الإنسان التي جعلها الله عز وجل له.

لذا إذا غابت هذه المشيئة عن الإنسان وهو الاختيار، فأصبح كالمجنون المسلوب, أو الإنسان الميت, أو المشلول, الذي لا يستطيع التصرف, فهذا لا اختيار له من جهة الحقيقة, ولو تحرك فالذي يحركه غيره كتحريك الحصى أو الرمال أو الشجر يحركها الرياح, كذلك المجنون يحرك بلا تدبير من ذاته, والله عز وجل كما جعل في الرياح إرادة تحرك بها الشجر, جعل أيضاً في ذات الإنسان من الإرادة ما تحركه، فإن حركته باختيار ومشيئة حوسب عليها, وإن حركته بلا مشيئة واختيار لم يحاسب عليها.

وهكذا ما يدخل في دائرة الخطأ الذي يقع من الإنسان أو النسيان أو النوم أو غير ذلك لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأنه قد غابت مشيئته واختياره, فإذا وجدت مشيئته واختياره جاء الحساب والعقاب من الله سبحانه وتعالى, وإذا غابت المشيئة يكون تحركه كتحرك الكائنات التي يقدر الله سبباً لا اختيار لها فيه فتحرك فلا تؤاخذ على ذلك.

ولهذا البهيمة تأتي وتقتل إنساناً, وتأتي وتهدم شيئاً معظماً أو نحو ذلك, ولا تكلف بذلك؛ لأنها ليس لها مشيئة, وحركتها كحركة الأغصان والأشجار وغير ذلك، فمثلاً: الحجارة قد تنصب من رأس جبل يجريها الله ثم تقتل رجلاً؛ لا تكليف عليها؛ لأن الله هو الذي أجراها, وكذلك المجنون والنائم إذا تقلب وأهلك نفساً أو أفسد مالاً أو نحو ذلك, فالله عز وجل لم يجعل له مشيئة, فتحركه بذلك إنما هو بمشيئة الله وحده سبحانه وتعالى, وأما هذه المشيئة الموجودة في الإنسان التي ينشئها باختياره وبعلم الله وتقديره, فإنه يعاقبه عليها سبحانه وتعالى.

أسباب الضلال في القدر والجواب عنها

والذي دفع الذين يقولون بنفي القدر وأن الأمر أنف إلى قول ذلك, أنهم قالوا: إن الله عز وجل إذا قدر على الإنسان شيئاً فكيف يعاقبه عليه والله عز وجل لا يظلم أحداً؟ وهذا جعلهم يقولون بأمر أعظم مما يستبشعونه عقلاً بالزعم والخطأ وهو: نفي القدر, وأن الله عز وجل لم يقدر هذه الأشياء, وحمل بعضهم أيضاً إلى نفي العلم, فوقعوا في أشد مما يريدون أن ينزهوا الله عز وجل عنه, فأدخلوا الله سبحانه وتعالى في دائرة الجهل, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً, فدخلوا في أشد مما نفروا منه, ولو أمضوا الأمور كما جاءت في الكتاب والسنة ولم يخوضوا فيها ولم يحكموا عقولهم المجردة في مقابل النص لكان أسلم.

ولهذا نقول: إن أصل ضلال الطوائف هو أنهم ألزموا عقولهم أن تدرك الغيبيات كما يدركون الحسيات, والعقول لا تدرك كل شيء, فالإنسان حواسه ست: السمع, والبصر, والذوق, والشم, والإحساس، والمعنى القائم في النفس, فأنت الآن تشعر أنك حزين أو تفرح؛ من أين جاءك هذا الشعور؟ بالسمع أو بالبصر أو بالذوق أو بالحس أو بالشم أو بشيء آخر؟ بشيء آخر, هذه هي الحاسة السادسة, ولهذا بعضهم يقول: إن لديه حاسة سابعة؛ لأنه يعرف أن هناك حاسة سادسة.

إذاً: الحاسة السادسة: هي المعنى القائم في النفس, فيعرف الإنسان به أنه فرح, ويعرف أنه حزين, ويعرف أنه غضب أو نحو ذلك, وهذا الإحساس هو المعنى القائم في الذات, وبعضهم يفسره بالعقل, وبعضهم يقول: هو المعنى القائم في النفس.

وهذه الأشياء لها قدرة, فالبصر لا تستطيع أن تبصر به كل شيء, ولو أبصرت به كل شيء آذاك, وكذلك لا السمع تستطيع أن تسمع به كل صوت, فثمة أصوات لها مقدار تسمعها, فإذا ضعفت وخفيت لم تسمع شيئاً, وإذا قويت واشتدت آذتك وربما أفسدت عليك السمع, كذلك الرؤيا, هناك أشياء تتلاشى دقة حتى لا تراها, وأشياء تعظم قوة حتى تفسد عليك البصر لو نظرت فيها.

فمثلاً: إذا أراد الإنسان أن ينظر إلى الشمس في الظهيرة, وقال: أريد أن أتفحص هذا الكوكب في قائم الظهيرة, هل يستطيع أو تحرق عينه؟ تحرق عينه, هل يستطيع أن يقول: هذه ليست شمس؛ لأنها لم تثبت عندي ولم أفهمها؟ لا, نقول: عينك لا تدرك هذا الأمر, فهي لها طاقة محدودة, كذلك هل للإنسان أن ينفي الذرة؛ لأنه لم يرها بعينه؟ لا, لأنه لم يستطع؛ فهو أضعف, وهذا من جهة الدنو, وكذلك هل يستطيع الإنسان أن ينفي أن لبعض الحشرات كالنمل صوتاً؛ لأنه لم يسمعها؟ لا, لكن يتهم الحاسة لديه بأنها لا تسمع, أيضاً هل كل شيء يحس به الإنسان إذا جاء على جسده؟ لا، فهل له أن ينفيه؟ لا, ليس كل شيء لا تحس به تنفيه, ولكن تقول: لدي مستوى محدود من الحس.

كذلك أيضاً العقل لديه مستوى من الإدراك, فثمة شيء من الغيبيات لو نظر إليه أحرقه؛ كالبصر تحرقه الشمس في الظهيرة, لا يستطيع أن يستوعبها؛ لأن عقل الإنسان يسير, والمعاني الغيبية عظيمة جداً, فالإنسان عقله كالكأس, وإذا قال الإنسان: أنا أريد أن أفهم الحقيقة, نقول له: الحقيقة بحر, فكيف تضعها في الكأس؟ وهذا لا يمكن؛ لأنه إذا وضعنا البحر في هذا الكأس أين يذهب الكأس؟ يذهب مع البحر، ولا يستوعب شيئاً, بل ربما يتكسر ويتصدع.

ولهذا الحقيقة الغائبة لدى الإنسان أعظم من الحقيقة المدركة بشيء لا يمكن أن يخطر في بال الإنسان, ولكن الإنسان بعقله اليسير يريد أن يستوعب العظيم, فالله عز وجل يلطف به, لهذا موسى عليه السلام مع جلالته استأذن ربه أن ينظر إليه, فقال الله عز وجل: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143], أيهما أقوى الجبل أم الإنسان؟ الجبل أقوى, ولهذا الله عز وجل ذكر أنه لو أنزل عليه القرآن لتصدع، وكذلك لو تجلى الله للجبل لكان حال الجبل يختلف عن حال الإنسان, ثم الله عز وجل تجلى للجبل فجعله دكاً.

وبهذا أراد الله أن يبين لموسى أني لو ظهرت لك لكنت مثل هذا الجبل, وفيه إشارة إلى أن إدراك الإنسان ضعيف.

خطورة باب القدر والواجب على المسلم فيه

ولهذا العلماء عليهم رحمة الله في مسألة القضاء والقدر يقولون: هذه مسألة مقفلة وضاع مفتاحها, يعني: أن إدراك الإنسان لا يمكن أن يكون, يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله في هذه المسألة: إن هذه المسألة كحال المبصر في الظهيرة للشمس, تحرقه ولا يستفيد, وكذلك ابن تيمية رحمه الله يقول في مسألة القدر: ما من أحد من الناس إلا وفي قلبه حسكة, يعني: لا يجد جواباً, وهذا موجود في العلم حتى في علم الرياضيات, يقول لك: هذه المسألة ليس لها حل, أليس كذلك؟ هو ليس لها حل أو أنت لم توجد لها حلاً؟ أنت لم توجد لها حلاً, وإلا من جهة السببية في الكون لا بد لكل معادلة من حل, لكن الله عز وجل يثبت لك تحيرات حتى يثبت لك استغلاق عقلك وعدم فهمك وإدراكك؛ لأنه كيف يثبت لك الله الجهل إذا كنت في كل مسألة تمسكها لا بد أن تجد نتيجة؟ إذاً صرت رباً ولم تكن عبداً.

ولهذا المؤمن إذا تحير هل ينفي أم يثبت أن ثمة عالماً يوجد ما يتحير منه, ولهذا ضلال الناس أنهم يفكرون بما علموا ولا يفكرون بما جهلوا؛ فمثلاً: الإنسان إذا كان معه كشاف يمشي في الأرض بالليل, فإذا كان يفكر بالنور فإنه يقول: أنرت الكرة الأرضية؛ لأنه يرى مساحة النور لكنه لا يرى مساحة الجهل, وهي الظلام الموجود, وكذلك الإنسان كلما يزداد من العلم يزداد من النور، وإذا ازداد علماً في ذلك ونظر إلى مساحة علمه اغتر بعلمه, ولو فكر بمساحة جهله لاحتقر علمه, فلهذا نقول: العلة في كفر الناس وضلالهم أنهم يفكرون فيما علموا ولا يفكرون بما جهلوا, وآية ذلك أن الإنسان لو فكر أنه كل يوم اكتشف معلومة, يعني: المعلومات لا تنتهي, فهذه أمارة على جهله وعلم الله عز وجل الكامل في هذا الأمر.

ولهذا ينبغي للمؤمن في مسائل القدر ومسائل الأمور الغيبية التي يخبر الله عز وجل عنها أن يقول: سمعنا وأطعنا, وأن يدرك أن كثيراً من الأشياء التي تغيب عنه ويجدد الله عز وجل علمه بها في الكون كل يوم يتعلم الإنسان إشارة إلى أن معلوماتك لا تنتهي, وأن الله لديه من العلم ما لا ينتهي أبداً, فالعالم مثلاً يدرس التلميذ لسنة وسنتين ويستفرغ علمه وينتهي الأمر, لكن البشرية منذ بدأت وكل لحظة يكتشفون علماً لم يكن معلوماً في السابق، وهذا أمارة على عدم تناهي حد علم الله سبحانه وتعالى, وهذا يجعل الإنسان أنه يعلم أن ثمة شيئاً من العلم ما لو أظهره الله سبحانه وتعالى للإنسان لما بقي في الأرض كافر بالله سبحانه وتعالى, ولكن الله عز وجل يبدي طرفاً من العلم للإنسان ويغيب أشياء أخرى اختباراً وامتحاناً, ولهذا الله عز وجل يقول: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا [الروم:7], من ماذا؟ مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7], يعني: يعلمون شيئاً يسيراً جداً ولا يدرون, فأنت ترى الحائط في الحياة, لكن هل تعلم سمك الحائط؟ وهل تعلم أنه خرسانة مربعة ممتدة؟ أم هو حائط وراءه منزل؟ وهل وراءه طريق؟ أو غير ذلك؟ لا تعلم مثل هذا الأمر, فالإنسان يعلم شيئاً من الدنيا ويخفى عنه الأكثر من ذلك, فعليه أن يسلم وأن يذعن بما أخبر الله عز وجل به وأن يصدق, ولهذا نقول: إن مسألة القضاء والقدر هي من المسائل المهمة في هذا الباب, وأمرها هي ما أخبر الله عز وجل به سبحانه وتعالى.

وقول المصنف رحمه الله: (فالخلق عاملون بسابق علمه), يعني: سبق علم الله عز وجل لما هم فاعلون في هذه الأرض, (ونافذون لما خلقهم له من خير وشر), يعني: أن الله عز وجل قدر المقادير ويعلم أحوالهم فلا بد أن ينتهوا إليها.

خوض الناس في باب القدر بعقولهم ودور الأنبياء في توجيههم

قال المصنف رحمه الله: [ لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعاً, ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعاً, خلق الخلق بمشيئته, عن غير حاجة كانت به ].

وذلك أن الإنسان إذا كان لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفع ضر فإنه لا يستقل بكفاية نفسه فضلاً أن يكفي غيره, فلا يُعبد إلا من يملك نفعاً لغيره, فالله سبحانه وتعالى هو النافع الضار, ولهذا الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر من أحوال المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان أنهم يعبدون كائنات لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً في ذاتها, فكيف تنفع غيرها؟ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106], ولا يضرك في ذاتك, فكذلك أيضاً من جهة ذاته ونفسه لا يستقل بنفع ولا بضر, ولهذا نقول: إن مسألة القضاء ومسألة القدر مردها إلى النص, فقد تخفى عللها وكذلك أيضاً جملة من أحكامها, ولكن على الإنسان أن يكلها إلى الله سبحانه وتعالى.

هذه المسألة هي من المسائل التي تكلم فيها كثير من الطوائف ومن الفلاسفة القدامى في كل ملة من الوثنيين عباد الأصنام ومن البابليين ومن الهنود ومن المجوس وغيرهم, ممن يتكلمون في هذا, حتى الفلاسفة المتأخرين ممن لديهم نفس إلحادي؛ كـفولتير في القرن الثامن عشر وله كتاب اسمه القدر, وقد تكلم على هذه الحيرة, وفي مسائل تقدير الخالق في وجود هذه الأشياء, وكلام الفلاسفة الأوائل مثل: أرسطو و أفلاطون و سقراط في هذا الباب, الذين تحيروا في مسائل القضاء والقدر, فهم يثبتون وجود المعادلة السببية, ولكنهم ينفون تصرف الخالق سبحانه وتعالى فيها, فيقولون: إن الله أوجد الخليقة وفق نظام ومعادلات حسابية من جهة العمل, وخلق الكون ثم تركه وفق هذه المعادلة, فهم يتعاملون بحساب, فمن أراد أن يأتي بشيء يأتي مثلاً برقم عشرة لا بد أن يأتي بخمسة وخمسة حتى تكون عشرة, أو يأتي باثنين وثمانية, أو يأتي بثلاثة وسبعة, على اختلاف في المعادلات لكن لا بد أن تكون النتائج على هذا النحو, قالوا: فخلق الخلق وجعل الناس يتدبرون فيه بوفق هذا النظام وهذا الناموس, لكن لا يتدخل به الخالق.

هذه من الأمور التي تمليها عليهم عقولهم, ولكن نقول: إن الإنسان فطره الله عز وجل على الإيمان بهذا الأصل, فهو يأخذ تفاصيل هذا الأصل من الخالق سبحانه وتعالى, من الإيمان بالله في ذاته, في معرفة أسمائه وصفاته, في ربوبية الله وألوهيته, لهذا فهو مفطور على الإيمان بوجود الخالق, فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], وكما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ), كل مولود يؤمن بأنه يوجد خالق وإن لم يوجد تحت هذه العبارة خالق, منهم من يقول: يوجد من هو أقوى مني, من هو الأقوى منك؟ يختلفون في هذا ويتحيرون, منهم من يجعل الخالق كوكباً, ومنهم من يجعل الخالق شجراً, ومنهم من يجعل الخالق شيئاً غائباً من الجن والغول, ومنهم من يجعل الخالق حيواناً كالبقر والفأر وغير ذلك, فيتحيرون في إيجاد هذا الأمر, ويتلمسون في الظلمات.

لذا الله يبعث الأنبياء بالوحي ليوافق الفطرة الكامنة في ذات الإنسان؛ حتى يرشده إلى معرفة الخالق بدلاً من أن يتخبط, يعني: لا تذهب إلى كوكب ولا تذهب إلى شيء، الفطرة موجودة لديك لكن أريد أن أوجهها التوجيه الصحيح.

ولهذا يقول العلماء: إنه لا يكاد أحد ينفي ربوبية الله سبحانه وتعالى, ولكن الخلل هو في تحديدها, فمنهم من يتعلق بالنور والظلمة, ومنهم من يتعلق بالكواكب, ومنهم من يتعلق بالأبراج, ومنهم من يتعلق بأشباح وكوائن غيبية، وغير ذلك من الأمور المتصرفة في الكون, فهؤلاء البذرة موجودة عندهم من جهة الربوبية، ولكنهم تاهوا في الدلالة إليها, فبعث الله عز وجل الأنبياء حتى يوجهوهم إلى معرفة الخالق حقيقة, وأن لا يتوهموا أن المخلوقات آلهة، ثم يأتي التدليل ببطلان هذه الأشياء التي يسيرون عليها, هذه مهمة الأنبياء, ولهذا إذا ضعف نور النبوة في الناس جاءت الظلمة وأخذ الناس يتخبطون, فهذا يقول: هذا الخالق, وهذا يقول: هذا كذا, ثم يأتي نور النبوة ويبين الخالق سبحانه وتعالى, ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ( خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ), أي: حنفاء على فطرة صحيحة, وعلى وحي صادق, فاجتالتهم الشياطين بالانحراف, ولهذا تجدون في باب التوحيد أن الناس على طوائف في ابتكار من هو الخالق, بمنطق عقلي مجرد, أو بموروث مدلس مغير, أما الوحي الصادق المحكم فهو الذي جاء به الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم, بتعريف الله لخلقه, وبيان الخالق سبحانه وتعالى, وقدرته على خلق العباد, وحقه في جانب العبادة.

أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

https://audio.islamweb.net